الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
600
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال : لما كان أيام الحرة ، لم يؤذن في مسجد النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد ، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ قال سعيد - يعنى ابن المسيب - . فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر ، فصليت ركعتين ، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر ، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال ، يعنى ليالي أيام الحرة . وقد روى البيهقي وغيره : من حديث أنس أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون » « 1 » . وفي رواية : « أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ، ولكنهم يصلون بين يدي اللّه حتى ينفخ في الصور » . وله شواهد في صحيح مسلم منها : قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « مررت بموسى وهو قائم يصلى في قبره » « 2 » . وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج : أنه لقى الأنبياء في السماوات ، وكلموه وكلمهم « 3 » . وقد ذكرت مزيد بيان لذلك في حجة الوداع من مقصد عباداته ، وفي ذكر الخصائص الكريمة في مقصد معجزاته ، وفي مقصد الإسراء والمعراج . وهذه الصلوات والحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل التكليف ، إنما هو على سبيل التلذذ ، ويحتمل أن يكونوا في البرزخ ينسحب عليهم حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور من غير خطاب بتكليف ، وباللّه التوفيق . وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه أبو يعلى عن أنس ، كما في « صحيح الجامع » ( 2790 ) . ( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2375 ) في الفضائل ، باب : من فضائل موسى . من حديث أنس بن مالك - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) انظر المجلد الأول ، باب : إسرائه - صلى اللّه عليه وسلم - .